محمد الحفناوي

125

تعريف الخلف برجال السلف

ينبغي اعتقاد أنهما كأقوال الشارع ، بحيث يلغى الأول البتة ، لأن الشارع واضع ورافع لا تابع ، فإذا نسخ الأول رفع اعتباره أصلا وإمام المذهب لا واضع ولا رافع بل هو في اجتهاده طالب حكم الشرع متّبع لدليله في اعتقاده ، وفي اعتقاده ثانيا أنه غالط في اجتهاده الأول ويجوز على نفسه في اجتهاده الثاني من الغلط ما اعتقده في اجتهاده الأول ، ما لم يرجع لنص قاطع ، وكذلك مقلّدوه يجوّزون عليه في كلا اعتقادية ما جوّزه هو على نفسه من غلط ونسيان ، فلذلك كان لمقلده اختيار أول قوليه إذا رآه أجرى على قواعده إن كان مجتهدا في مذهبه ، وإن كان مقلّدا صرفا تعين عليه العمل بآخر قوليه لأغلبية إصابته على الظن . فهذا سرّ الفرق بين صنفي الاجتهاد ، وفصل القضية فيهما وحاصله أن أقوال الشارع إنشاء ، وأقوال المجتهد إخبار ، وبهذا يظهر غلط من اعتقد من الأصوليين أن حكم القول الثاني من المجتهد حكم الناسخ من قولي الشارع ، ويظهر صحة ما ذكره ابن أبي جمرة في « إقليد التقليد » أن المجتهد إذا رجع عن قول أو شك فليس رجوعه عنه مما يبطله ما لم يرجع لقاطع ، قال : لأنه رجع من اجتهاد لاجتهاد عند عدم النص ، فترجح اصطحابه ، فيأخذ بعضهم بالأول ، قال : وفي « المدونة » من ذلك مسائل ، هذا كلامه . ولم أر من اعترض عليه بأن من أخذ بالقول المرجوع عنه فإن ذلك لقوة مداركه عنده لا أنه قلد مالكا فيها ، كما أشير إليه في السؤال ، وإنما لم يصب لأن نظر من أخذ بالقول الأول من أصحابه نظر مقيد بقواعده ، لا نظر مطلق كالمجتهد ، فلذا كان مقلدا له لتمسكه بأصول مذهبه وقواعده ، وإن خالف نص إمامه ففي العتبية في سماع عيسى فيمن قال لامرأته : أنت طالق إن كلمتني حتى تقولي أحبّك ، فقالت : غفر اللّه لك إني أحبك ، فقال : حانث لقولها غفر اللّه لك قبل قولها أحبك ، ولقد اختصمت أنا وابن كنانة لمالك فيمن قال : إن كلمتك حتى تفعلي